في معرضه الجديد في عمان: العراقي صدام الجميلي: العمل الفني كيان قائم بذاته يحتاج أن نقطعه عن واقعه

Saturday, March 4, 2017

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: مع كل معرض جديد، يفاجئ الفنان العراقي صدّام الجميلي جمهوره بأعمال مغايرة لا تشبه أعماله السابقة بجوانب عدّة، منها في الأفكار، أو في اللون، أو في التقنيات، أو في المواد المستخدمة في هذه الأعمال.. وهذا ما قدّمه في معرضه الجديد، الذي يقام حاليا على قاعة الأندى في عمّان، (INKOGRAPHY انكوغرافي) وهو عنوان يثير التساؤل.
وهو التساؤل الأول الذي طرحناه على الجميلي في حديثنا معه، مبينا أنه نحت هذا العنوان من مفردتين معروفتين: INK+PHOTORAPHY، أما سبب هذا النحت فقد كان بفعل قرابة تقنية بينه وبين تقنية الإنفوغرافي التي تشير إلى استخدام العلامات البصرية بتنوعها في نقل المعلومة، كما هو في الصحافة المعاصرة، وتحديدا تستخدم في توضيح المعلومات الدقيقة والمهمة، بشكل بصري سهل يصور المعلومة من خلال مجموعة من العلامات المتسقة، وفق عناصر بصرية تبدأ من الشكل الأيقوني مرورا بالرمز والحرف والكلمة، مشكلا خريطة بصرية يمكن للقارئ تتبعها، وفهم المعلومة دون اللجوء إلى القراءة.
مضيفا: ولأنني ابتداء استخدمت بنى متباينة في إنتاج العلامة داخل التجربة بين صورة فوتوغرافية بشخوصها الواقعية، أو مقطوعا من مطبوع، ومرة أخرى شكلا مرسوما بشكل واقعي، وبين تقنية التخطيط بالحبر في المساحات التي ترجع إلى تقنيات التخطيط أو الحفر بالزنك. وذلك للجمع بين تلك التقنيات وتوليفها في مناخ واحد.
وهذا الجمع بين مفهومين في العنوان نوع من المناورة للابتعاد عن تقريرية العنوان دون الإشارة إلى دلالاته، بل إنه يشير إلى إمكانية صناعة العلامة من خلال تلك التقنيتين لإنتاج لغة جديدة أو طريقة تواصلية في الكشف عن المعاني التي تجملها تلك الأعمال والرموز، التي تقترب من تقنية (الإنفوغرافي)، غير أن الفارق يشكل في تقريرية الإنفوغرافي، ومجازية الإنكوغرافي.

عوالم التلوين

عرف عن الجميلي اهتمامه باللون، وله طرقه الخاصة في التعامل معه، غير أنه قدّم أغلب أعمال هذا المعرض أحادية اللون، مبررا ذلك أن الأفكار لا تأتي دائما عارية، بل في الغالب في المشغل البصري، تنتج الفكرة عن مقترح تجريبي أو أسلوبي، فهو لا يفكر بطرح تجربة ما قبل أن تنجز، بل هي تقترح عليه أن يقدمها كتجربة مكتملة، و»لأنني أجد نفسي في الاستوديو أكثر من وجودي خارجه، أي أنني لا أفكر بمصائر الأعمال التي أعمل عليها، وأعني هنا مصائرها الثقافية بقدر اهتمامي بما أقدمه من عمل لنفسي، من خلال الاختلاف والمغامرة واللعب والتجريب، فضلا عن وجود قيم دلالية تؤسس لكل تجربة… إلا أنني لا أمنحها كل السلطة في قيادة عملي، ولأني أكون وحيدا في مرسمي، حرا من الآخر، بعيدا عن تصورات العالم الأخرى حول العمل الفني، أستطيع أن أنتج ما أرغب به دون وسواس من الخارج يدفعك إلى البقاء في منطقة آمنة».
أما في ما يخص اللون، فإنه كفنان لا يجد فارقا كبيرا بين العمل الملون والعمل بالأبيض والأسود، فلكل منهما شروطه وخصائصة، فيما ينتجه اللون الأسود (المونوكروم) لا يقدمه اللون في العادة من التركيز على الشكل والحساسيات التقنية في التخطيط، فضلا عن استعارة الصورة التي تشكل بنية مركزيه هنا بوصفها صورة تذكارية أو أرشيفيه، وهو أمر يمتد إلى المواد الأخرى من ظروف الرسائل القديمة والورق الذي تم استخدامه في الأعمال، إذ لا يمكن للفنان أن يتوقف عن شروط تبدو في واقعها غير ملزمة، فالفن هو القدرة على التجاوز والاختلاف والمغايرة مع الذات قبل الآخر.

قيمة الإنسان ورؤاه

الإنسان وتشوهه كان ثيمة الجميلي منذ عام 2010 وحتى الآن، وها هو يعيد هذه الثيمات مرة أخرى بطرائق مختلفة.. مبينا في هذا أن لكل سلوك فني سيرة خاصة داخلية تفرضها قدرته على المطاولة والاستمرار، من خلال إمكانية التنويع والإضافة والتشظي، وبالتالي فإن التجربة يمكن أن تمد دون أن نستطيع تقدير عمرها الخاص، وهي تأخذ مجالها من خلال طاقة داخلية تفرضها الرغبة في الكشف عن كوامنها وإمكانية الكشف عن جيوب خفية ضمن طياتها، فضلا عن الرغبة في توكيدها لاسيما إذا كانت تجربة متفردة وخاصة.
ويشير إلى أن الإبقاء على التجربة ضمن محاولات التنويع والمناورة الشكلية والتجريبية نوع من تشييد تحتاجه التجربة من جانبها الإبداعي ومن جانب التلقي، فثمة مسافة أو زمن للتلقي أو الإدراك العام للتجربة تحتاجه أي محاولة جديدة لغرض استقبالها وتكريسها، بوصفها مهمة جديدة يجري الحوار معها والإيمان بأهميتها. وفي ما يخص الشكل التعبيري، الذي نطلق علية صفة التشوهات، وهو تسمية في صلب العمل، غير أن التشوهات مفردة مقبلة من خارج العمل الفني وليس من داخله، فلا وجود لعمل معاصر بلا تشوهات، التي تسمى تعبيرا في حال دخولها للعمل الفني مشكّلة تعبيرا حسيا، فلا وجود لتشوهات في الشكل الجمالي في الأعمال المكتملة جماليا.. إن أي تحوير أو إزاحة شكلية في العمل الفني تعد تعبيرا، بغض النظر عن قوتها، فحتى أكثر أعمال الفنانين كلاسيكية، خاضعة لتشوهات نظرا للتضخيم الذي تخضع له بعض الأجزاء من الجسم أو بعض الألوان من الطبيعة، ما يغني العمل بوصف ذلك الإضفاء ضرورة داخلية جمالية، وهنا نقف عند تلك المفردة جماليا. 
ويعتقد الجميلي أنه من الخطأ الفادح أن نربط جماليات الطبيعة والوجود، بجماليات العمل الفني، ونقارن بينهما، فالجماليات في العمل الفني لا تشبه جماليات الواقع… ولو أخذنا عمل فان كوخ «حذاء الفنان» مثالا للقبح في الواقع، الذي تحول على يديه إلى أيقونة جمالية فنيا.
ويكشف أن ما نعانيه ونتعذب في استيعابه يأتي في الغالب بسبب تلك المقارنة بين ما هو فني وما هو واقعي، وبالتالي فنحن نقيس جماليات العمل الفني ضمن مقياس واقعي، وهو إجحاف عظيم بحق الفن والواقع معا، إذ لا يجوز أن نسحب مقاييس الواقع لنفهم جماليات اللوحة، التي سنقوم في النهاية بقتلها وتفريغها من معناها وضرورة وجودها. إن العمل الفني هو كيان قائم بذاته يحتاج أن نقطعه عن واقعه لكي نفهم جمالياته الداخلية، فلو تخيلنا نساء ماتيس يقطعن الطريق أمامنا أو يتبضعن في الواقع، لأصابنا الذعر وربما الموت رعبا، مع أن هذا الفنان هو من أكثر الفنانين تزيينا وبعدا جماليا، ما يعني الفارق الكبير بين مقياس الواقع والشرط الفني.

تقنيات جديدة

والجديد الذي قدمه الجميلي في معرضه هذا، يتمثل في الكشف عن العلاقة الهيكلية بين الأشكال التعبيرية التي يرسمها مع الصور والمواد الأخرى، وفق بنى جمالية خاصة تحددها العناصر التقنية، مثل الحبر والرسم، فضلا عن المجازفة بإنتاج أعمال كبيرة بالورق تمتد إلى متر ونصف المتر، ومن أجل الخروج بنماذج جديدة فقد كان السعي لتقديم فن التخطيط بوصفه فنا تقليديا بشكل مختلف وجديد ممزوجا مع تقنيات الرسم الواقعي والكولاج وأعمال النحت واستخدام مواد مختلفة تمنح البعد التجريبي تقنيا، ما يدعم الفكرة الأساس، وما يمنح المشاهد شكلا جديدا. و»المتابع لأعمالي يجد أن الأشكال في الأعمال الجديدة بدأت تكتسي لحما وتتحول إلى أشكال أكثر واقعية، خاصة ما قمت برسمه بالألوان، فثمة حيوانات وأطفال تم تصويرهم بألوان الأكريلك بشكل واقعي، نوعا من وضع المغاير والصادم.
أما عن أهم التقنيات التي قدمها الجميلي في معرضه هذا، فتتمثل بالمزج بين الشكل الواقعي المرسوم والشكل التخطيطي، أي الرسم بتقنيتين وتعبيرين مختلفين، ومحاولة توطينهما في مكان واحد، وكان في الغالب مادة الورق وبأحجام كبيرة غير تقليدية بالنسبة للورق، تصل إلى متر ونصف المتر المربع، فضلا عن استخدام تقنية الكولاج في الأعمال الصغيرة واستثمار مغلفات الرسائل وتوظيفها، والأوراق والصور العتيقة، في محاولة لخلط ما هو مستأنس مع ما هو غريب ومفاجئ، إضافة إلى استخدام مواد مختلفة في النحت، مثل الخزف والخشب والزجاج والصور ومادة الرزن.

غرائبيات الجميلي

ما زالت الغرائبية والعجائبية تعيش في لوحات الجميلي وتتكاثر، حتى أنه غذى هذا التغريب من خلال إدخال تماسيح في بطن إنسان، أو بشر في بطن حيوانات.. فهل لا يمكننا أن نطرح أفكار حياتنا العراقية من دون هذه العجائبية؟
تساؤل المشاهد حول لوحات الجميلي، يجيب عنه بأن الغرائبية هي جزء مركزي في عمله، وما زالت تتسع، غير أنها أحيانا تأخذ أشكالا مختلفة ومتنوعة أسلوبيا وشكليا، وفي علاقة تلك الأشكال مع الواقع العراقي، فمن المؤكد أن هناك طرقا لا نهائية للحديث عن الواقع في العراق، إلا أن الجميلي لا يشير للفاجعة العراقية بشكل تقريري، فهذا «ليس دوري، كما أنني لا أعني في تجربتي الألم العراقي فقط، فنحن نعيش في عالم مأزوم ومتوتر، وبالتالي فإن دوري الإشارة إلى الألم العراقي وحسب، بل هو جزء من ألم إنساني يمتد إلى أماكن أخرى، ولا أثق بالإشارة إلى الفاجعة بطرائق مباشرة، أو الألم بطرائق سهلة ومعلومة، فهذا ليس واجب الفنان كما أعتقد، فثمة سياسيون يستطيعون قول كل شيء»، وهو ما يرفضه الجميلي، فهو لا يميل إلى الشراكة مع السياسيين بأي شيء، ولا يحب الدخول في غرفة تجمعه معهم، لأن كل ما نعيشه من كوارث سياسي بامتياز، «لذا لا أثق بأن أكون مباشرا وتقريريا، بل إن دور الفن ليس ذلك منذ أن عرفناه، فهي إبداعية في قيمها الأولية، وليس معلوماتية أو توصيفية، وبالتالي ما زلت أفكر بما ينتج في العالم من فنون تميل إلى التقريرية في نقد السياسي، وما زلت أتحفظ على تلك الدعوة الخفية والخبيثة لمحاربة السياسة بالفن، التي تؤكد على المباشرة في التصدي للأفكار السياسية، تلك الدعوة تشكّل نوعا من التضمين السياسي للفن وتدجينه ووضعه تحت السيطرة أو التوجيه… الفن أكبر من خطاب سياسي ينتهي بعد إغلاق التلفزيون».
خطاب الجميلي هذا ينسحب على أعماله بشكل كامل، وهو ما يجعل أغلب مشاهدي أعماله يرون أنه يشتغل على لوحات لا يمكن أن تكون تجارية، وهي في الغالب خاصة ولا يتقبلها أي مشاهد.. وهذا ما يحلم به بالفعل، فيقول إن كل الأعمال العظيمة في التاريخ لم تكن تجارية في أساسها، لنتذكر فان كوخ وآخرين. الانطباعيون الذين نعدّهم اليوم بهجة الرسم، كانوا مرفوضين وفرصة للسخرية، و«بالتالي أنا لا أفكر في التجارة، أنا فنان حر ومخلص مثل أي فنان في مجال آخر، فالروائي لا ينتج نصا لتنويم الأطفال أو للتسلية فقط، فثمة هموم عميقة في الفن هي ما يدركها كل فنان حقيقي، وما نعني به تجاريا يعني بمعنى آخر ما ينسجم مع الذائقة، أي يكون في النهاية متوقعا ومقبولا، وهو بذلك يثبت بأنه ليس فنا حقيقيا، فما يتم توقعه وقبوله هو فن شاخ منذ زمن، ولا يملك شكلا من أشكال النبوءة الفنية». مضيفا أن أمزجة السوق أو الأذواق العامة لا تسيّر مخيلة الفنان، فهو ليس صانع كراس أو خياط بدلات، يمكنه أن يقدم ما يعجب الآخرين، بل إن الفن نوع من اجتراح الفكرة والمغايرة والمغامرة في آنٍ، أما عن عدم تقبل الجميع لأعمال الجميلي، فيجد أن ذلك أمر مهم، فهو إشارة في كونه مختلفا، كما أن هؤلاء الذين لا يتقبلون أعماله لا يتقبلون أعمال فنانين كبار مثل سي تومبلي أو فان كوخ أو حتى بيكاسو، على حدِّ قوله، فالمزاج الذي لم يدرك بعد فنون الحداثة فهو الأعجز عن فهم الفنون المعاصرة.. كما أن دور الفنان ليس أن يصنع ما يحبه الآخرون، بل يعلمهم كيف يدركون ما هو جديد، ليس دور الفنان أن يقترب من المتلقي، بل ذلك دور المتلقي نفسه، فلا وجود لطريقة إبداعية تقترب من المتلقي، كل تلك الطرق هي مهمات تنحصر في التعليم والتذوق التقليدي، وهي من واجبات آخرين، ومن مهمات المتلقي نفسه.
أما عن التطور الذي يمكن تلمسه في بنية أعمال الجميلي هذه منذ معرضه الأول وحتى الآن، فيشير إلى أن التطور واضح من خلال البناء العام في العمل والتركيز على القيم المركزية في العمل الفنية، إذ تحمل صفة التجريب والمثابرة معها قيمة التطور بصفة حتمية، فلا وجود لعمل مدروس وواعٍ دون تطور، وبالتالي كانت التجربة جزءا من تجربة تتطور تدريجيا من خلال البنى العامة والأشكال الفرعية وتنوع المواد والمواضيع الداخلية.