(خفق اجنحة (يوسف عبدلكي

Monday, December 5, 2016

یوسف عبدلكي

خفق أجنحة

فـي الـعالـم فـنانـون یـصبّون طـاقـاتـھم عـلى صـیاغـة الأشـكال، ثـم تـنقیتھا مـن الـزوائـد، لتخـرج الـلوحـة مـن تـحت فـرشـاتـھم مـصقولـةً كـأنـھا قـطعة الـماس شـذبـت بـعنایـة وعـلى مھـل فـي إحـدى مـحترفـات انڤیر، وھـم فـي ذلـك یـحیّدون الـعواطـف إلـى درجـة قـصوى، ویـتجنبون لـغو الـتفاصـیل، لـیذھـبوا إلـى جـوھـر لـوحـتھم: مـتانـة الـبناء، والإتـقان الأعـلى. فـنانـون مـثالـیون بـأصـابـع مـن ذھـب، یخـططون مشـروع الـلوحـة، ویـنفذونـھ كـما خـططوا لـھ ! لـنعایـن أعـمال دافنشـي، ودولاتـور، ودافـید، ومـونـدریـان،

ولیجیھ، ومالیفیش، وآرب، وبیكار، وشیلیدا، والملیحي، وكونس..... الخ. ھـناك طـینة أخـرى مـن الـفنانـین، الـلوحـة بـالنسـبة لـھم سـاحـة صـراع مـع أنـفسھم، ومـع الـمحیط، ومـع الـلون. یـصبون فـیھا عـواطـفھم، وارتـباكـھم وغـضبھم، یـقودھـم الـصدق. لا یـفكرون بـالإتـقان. فـضائـحیون، یـسفحون أنـفسھم عـلى الـمساحـة الـبیضاء. لا یـنتظرون لا حـمداً ولا شـكوراً مـن وھـم الـكمال ولا مـن السـید إتـقان. الـشكل یـتلاعـبون بـھ، الـلون الـواقـعي مـطیة لـزفـرات الـریـشة. فـي ھـذه الـمعركـة لا یـبقى إلا الـصراع: الـلمسة والخـط، الـلون الـحار والـلون الـبارد، الأنـا والآخـر، الأنـا والأنـا،. فـنانـون تـعبیریـون یـقفون أمـام الـلوحـة؛ یـعرفـون كـیف یـبدأون، ولا یـعرفـون إلـى أیـن تـأخـذھـم الارتـجالات وتـوقـد الـعواطـف. لـنتأمـل وعـلى مـدى قـرون أعـمال كـارافـاجـیو، وغـویـا، ودومـییھ، وفـان كوخ، ومعلم التعبیریة سوتین، وكوكوشكا، ودي كونینغ، وابل، ومدرس، وبازیلیتس... إلخ. طـارق الـبطیحي فـنان مـن ھـذا الـصنف الـثانـي. كـل لـوحـة ھـي مـغامـرة لا أحـد یـعرف نـتائـجھا. صـراع مـع لـمسة الـلون ونـقیضھا، مـحاولـة یـائـسة لـلقبض عـلى الـتوازن بـین الـعفویـة والـحساب، بـین الانـفلات والضبط. ضبط بناء اللوحة، وانفلات اللون فیھا، بما فیھ من مخاطر قد تھلك اللوحة برمتھا. یـعمل طـارق عـلى مـراحـل: یـضع ألـوانـھ صـارخـة، عـابـثة، مـتزاحـمة، ثـم یـعیّن الـشكل، بـعدھـا یـقضي بـقیة الـوقـت وھـو یجھـد لـیوازن بـین الـضجة والھـدوء؛ وذلـك بـطلاء مـساحـات واسـعة مـن لـون مـحایـد

أو عـلى شـيء مـن الـ َحیدة؛ لـیمنح الـعین لحـظة راحـة لـلاسـتمتاع بـالـنبرة الـعالـیة لـلمسات الألـوان الأولى. المـرأة موـضوـع اللـوحاـت. لكـنھا لیستـ المـرأة الرـوماـنسیـة كمـا درجنـا علـى رؤیتـھا؛ لیستـ الأم ولا الـحبیبة: لیسـت عـذراء وقـورة كـما فـي الأیـقونـات الـبیزنـطیة، ولا الـمودیـل الـعاري الـھادئ كـما فـي لـوحـة كـوربـیھ، ولا الـفلاحـة الـمتینة الـبنیة كـما عـند مـیلھ ومحـمود سـعید، ولا سـیدة صـالـون كـما یـعرضـھا لـنا سـرجـنت، ولیسـت حـتى مـومـس بـائـسة كـما صـورھـا روو. إنـھا امـرأة مـن نـوع آخـر؛ مـثیر، فـتّان، مـغو، لـعوب. امـرأة لا تـراھـا فـي أسـرتـك ولا عـند جـیرانـك. امـرأة مـن صـنع خـیالات الـذكـورة. امـرأة إن رأیـتھا مـرة تـعبر فـي نـا ٍد لـیلي أو كـلیب تـجاري فـلن تـراھـا ثـانـیة؛ لـن تـلمسھا عیونك ، لن تبصرھا أصابعك أبداً. الشھوة محرك آخر للعمل الفني. لا یـجب أن یـضیّع عـلینا الـموضـوع – وفـیھ مـن الجـرأة الـكثیر – مـا ھـو أسـاسـي؛ الأسـاس ھـو لـغة الـلوحـة، عـلاقـة الخـط بـالـلمسة، عـلاقـة الـلمسة الـعریـضة الـحارة بـالـلمسة الـمتوسـطة الـحیادیـة، صـراع الـلون وتـوھـجاتـھ مـع الـكل الـقلق. مـا نـراه عـلى سـطح الـلوحـة لـیس سـوى انـعكاس لانـفعالات الـداخـل، قلقھا، توترھا، وسعیھا للانفلات في عصر یرید أن یُضبط فیھ كل شيء.

یخـرج طـارق الـبطیحي مـن مـعطف الـتعبیریـة فـي الـعالـم والـتعبیریـة المحـلیة. یـعایـن الـمحیط ویـرصـد نفسھ، ثم یطیر بأجنحتھ ھو.

دمشق 25/9/2011